التلفزيون والعائلة
تعتبر العائلة الأكثر أهمية في التأثير على سلوك الطفل، يتبعها عن كثب التلفزيون. فالتلفزيون يمكن أن يعلم، ويسلي، ويوصل المعلومات. ولكن بعض الأشياء التي يعلمه التلفزيون قَد لا تكون مناسبة للطفل. حيث تعرض بعض البرامج التلفزيونية، والإعلانات التجارية عنفاً في أغلب الأحيان، أو استعمال للمخدرات أو الكحول، أو تحتوي على مشاهد جنسية الأمر الذي قَد لا يكون مناسب للأطفال أو المراهقين.
وأظهرت الدراسات بأن مشاهدة التلفزيون قَد تؤدي إلى التصرف بعدوانية أو خمول. ولكن إذا عرفنا كيف يؤثر التلفزيون على الأطفال فقد نتمكن من وضع الحدود، ونساعد على جعل تجربة مشاهدة التلفزيون ممتعة وصحية للجميع.
تقول باحثة إنجليزية : إننا نشاهد كل برامج الأطفال الصباحية ، ووقت الظهيرة ، وفي المساء ، ولكننا لا نقدر أن نتصور ماذا ستفعل الأم لو لم يكن عندها مثل هذا الجهاز ؟ وحتى الأطفال الرُضَّع يستمتعون بكل الحركات ، والألوان ، والأصوات الناجمة عن هذا الجهاز ، كما أنهم يتفاعلون معها لأن لهم القدرة على ملاحظة كل ما يقدم إليهم من أحداث وألوان .
لكل مرحلة برنامج :
ولكن هل يدرك الأطفال الصغار ما يدور في جهاز التلفزيون من أحداث ؟
يقول أحد الباحثين : حتى الأطفال الصغار يُدرِكون أدَقَّ الأحداث ، ولكن قد تتفاوَتْ من مرحلة إلى أخرى .
فالأطفال من سِنِّ ستة أشهر ، وحتى سنة يُحِبّون مشاهدة الأحداث المتكررة في برامج التلفزيون ، وعلى هذا فتُعتبر إعلانات التلفزيون المختلفة مع تكرارها البرنامج المفضل لدى هذه المرحلة من العمر .
أما الأطفال في سِنِّ عامين ، فيبدءون بإدراك الخط العام للقصص الصغيرة ، والأطفال بين العامين والثلاثة أعوام ، تكون لديهم البديهة الجَيِّدة لتفهم الوضع الإجمالي حولهم .
والأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة ، أي في سِنِّ الرابعة من العمر ، تكون لديهم القدرة على جمع كثير من الأحداث في آنٍ واحد ، دون ترتيب لما يسمعونه أو يشاهدونه .
لذلك يمكنك مساعدة طفلك في ربط أحداثِ التلفزيون ، ما بين الماضي والحاضر ، والتحرك معه من حدث إلى آخر ، ومن مشهدٍ إلى مشهد .
فك الألغاز :
يجب متابعة الطفل في تفهُّم الأحداث ، ومساعدته في التفاعل معها ، وبالصورة الصحيحة .
إن التحول من شكلٍ ومشهدٍ إلى آخر يجب الوقوف أمامه ، وترجمته للطفل أولاً بأول ، حتى تصل المعلومة إلى ذهنه ، وإلى خياله ، بالصورة الصحيحة دون خلط ، فمثلاً ، قصص الأطفال ، نرى أنها مُكتَظَّة بالأحداث ، كما أنها تنتقل من حدث إلى حدثٍ بسرعة خاطفة .
وهذا التفسير ، أو ما نطلق عليه كلمة [الترجمة] هو شيء مُهِم ، لأن الأطفال يحتاجون إلى تعلم الفن التكتيكي لمشاهدة أحداث التلفزيون ، كي يستوعبون مثل هذا التغير .
أما مُدَّة مشاهدة الطفل لجهاز التلفزيون فإنها تختلف من مرحلة إلى أخرى ، فالطفل في سِنِّ الرابعة من العمر ، قد يشاهد التلفزيون أربع ساعات يومياً ، أما الأطفال الصغار فقد يشاهدونه أكثر من ذلك .
كيف يؤثر التلفزيون على الأطفال؟؟
هناك عدة أشكال عن كيفية تأثير التلفزيون على سلوك الطفل. عندما يجلس الطفل لمشاهدة التلفزيون، راقب النقاط التالي:
الوقت :
يشاهد الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية برامج تلفزيونية بواقع 4 ساعات كل يوم. وبالطبع، مشاهدة أشرطة الأفلام وألعاب الفيديو تضيف للوقت الذي يجلسه الأطفال أمام شاشة التلفزيون. وقد يكون من المغري فعلاً استغلال التلفزيون، والأفلام، وألعاب الفيديو لإبقاء الطفل مشغول، ولكن الطفل يحتاج لقضاء نفس الوقت للنمو، والتعلم . فاللعب، والقراءة، وقضاء الوقت مع الأصدقاء، والعائلة يعتبر صحياً أكثر من الجلوس أمام شاشة التلفزيون.
التغذية :
الأطفال الذين يشاهدون التلفزيون أكثر من اللازم يصابون على الأرجح بالبدانة. فهم لا يقضون نفس القدر من الوقت في الركض، والقفز، ولا يحصلون على التمرين الذي يحتاجونه. كما أنهم يتعرضون للعديد من الإعلانات التجارية التي تعلن للوجبات الخفيفة غير الصحية، مثل الحلوى، الرقائق، الشوكولاته، والمشروبات أثناء برامج الأطفال.
العنف :
إذا كان الطفل يشاهد من 3 إلى 4 ساعات من البرامج غير التربوية في اليوم، فعلى الأغلب فأنه سيشاهد حوالي 8,000 جريمة قتل على التلفزيون في الوقت الذي ينهي فيه المدرسة الابتدائية. وعلى الأغلب فأن الأطفال الذين يشاهدون تمثيل العنف على التلفزيون قَد لا يفهمون بأن العنف الحقيقي يؤذي ويقتل الناس. حتى إذا استعمل "الرجل الطيب" العنف فسيتعلم الأطفال بأن العنف والقوة هي الوسيلة الوحيدة لمعالجة الأمور، الم يقم بذلك سوبرمان.
إن الطفل عندما يشاهد فِيلماً فيه القتل ، وسفك الدماء ؟! ألا يعتبر هذا الفيلم حقيقة تؤثِّر في حياته بصورة عكسية ؟ وتقلب هدوءه إلى ثورة ؟ وتزيد من عُنفه ؟ حيث يُقلِّد ما يسمعه أو يشاهده ؟
يقول أحد الباحثين : إن الأطفال عندما يشاهدون فيلماً فيه الإجرام ، وسفك الدماء ، لا ينقلونه إلى وُجدانهم بصورة أوتوماتيكية ، على أنهم سَفَّاحون ، أو سفَّاكون للدماء ، ويجب أن نسأل أطفالنا : هل يفصلون بين الواقعية والمزاح ؟ .
ويقول هذا الباحث : إن ابني - وهو ابن اثني عشر شهراً - يعرف جيداً بين المباراة الكرويَّة ، والحقيقة ، فالعنف تجاه الكُرَة في الملعب ، يختلف عن العنف تجاه الإنسان نفسه.
الجنس :
يعرض التلفزيون الأطفال لمشاهدة سلوك البالغين، مثل القبلات الطويلة الساخنة، والجنس. ولكنه عادة لا يظهر أخطار ونتائج هذا النشاط الجنسي. فعلى التلفزيون، يبدو النشاط الجنسي طبيعياً، ومرحاً، ومليئاً بالإثارة، دون أي أخطار. وقد يقوم الطفل بتقليد ما شاهده لكي يبدو ناضجاً.
الكحول، والتبغ، والمخدرات الأخرى :
يحيط بشباب اليوم رسائل متعددة تشجعهم على شرب الكحول، والتدخين. بينما لا تخبرهم هذه الرسائل بأن الكحول والتبغ مؤذيان ويؤديان إلى الأمراض والموت. وتعتبر البيرة، والنبيذ بعض المنتجات الأكثر إعلاناً على التلفزيون. حيث تصور البرامج التلفزيونية، والإعلانات التجارية في أغلب الأحيان الأشخاص الذي يشربون ويدخنون على أنهم أشخاص ناجحون، ومثيرون، ونشيطون، وأصحاء. بينما تترك لك مهمة محاولة إقناع الطفل بأن هذه الأمور تسبب الضرر له.
الإعلانات التجارية :
يشاهد الطفل في المتوسط أكثر من 20.000 إعلان تجاري كل سنة. فالإعلانات التجارية سريعة ومسلية، وبعد رؤية نفس الإعلانات التجارية مراراً وتكراراً، سيتذكر طفلك بسهولة الأغنية، أو الشعار، أو العبارات الجذابة. ومهمة الإعلانات الرئيسية محاولة إقناع طفلك بشراء الطعام، أو اللعبة، أو المنتج الذي سيجعله سعيداً.
التعلم :
يؤثر التلفزيون على كيفية تعلم الطفل. حيث تترك البرامج الضخمة التي تهدف لتعليم الأطفال أثر إيجابياً على الطفل مثل شارع سمسم. وتظهر الدراسات بأن الأطفال الذي شاهدوا برامج تعليمية وتربوية قبل الذهاب إلى المدرسة كانوا أكثر تفاعلاً مع الدروس، وأفضل في اختبارات الرياضيات، والقراءة من الأطفال الذين لم يشاهدوا تلك البرامج. فعندما يستعمل التلفاز بعناية، فيمكنه أن يكون أداة إيجابية لمساعدة طفلك على التعلم بسرعة.
مشاهدة التلفزيون للأطفال أقل من سنتان :
يتعلم الأطفال بكل الأعمار أشياء جديدة بشكل مستمر. وتعتبر السنتان الأوليتان من حياة الطفل مهمة خصوصاً في النمو، وتطور الدماغ. وأثناء هذا الفترة، يحتاج الأطفال إلى تفاعل إيجابي بينهم وبين الأطفال الآخرين والبالغين كذلك. ويمكن أن تؤثر مشاهدة التلفزيون أكثر من اللازم على تطوير الدماغ المبكر بشكل سلبي. وهذه حقيقية خصوصاً للأطفال الصغار.
وحتى تظهر المزيد من الأبحاث حول تأثيرات التلفزيون على الأطفال الصغار، توصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بعدم تعريض الطفل للتلفزيون إذا كان بعمر 2 أو اقل. وتوصي الأكاديمية للأطفال الأكبر سناً، بمشاهدة التلفزيون لمدة ساعة أو ساعتان في اليوم من البرامج التعليمية التربوية .
ويرى المتخصصون أن هناك واجباً على أولياء الأمور تجاه أطفالهم ، خاصة الأمهات ، إذ عَليهِنَّ إتباع بعض الإرشادات التي يمكن تلخيصها بما يأتي :
الأول :
اختاري البرنامج التلفزيوني طِبقاً لعمر طفلك ، فالأطفال يحبون الألوان الفاتحة ، والحركة ، والصوت ، كما أن الأطفال الصغار يميلون إلى القصص البسيطة ، والأشياء التي تتناسب مع ظروف حياتهم المعيشية .
الثاني :
اختاري برامج تلفزيونية متنوِّعة ، مثل برامج الرسوم المتحركة ، أو برامج مُسلِّية أخرى ، فكل هذه البرامج وُضِعت خِصِّيصاً للأطفال في سِنِّ الرابعة .
الثالث :
عندما تشاهدين مع طفلك برنامجاً تلفزيونياً ، حاولي أن تساعديه في أن يتفاعل حِسِّياً مع ما يشاهده على الشاشة ، وحاولي أن توضِّحي له علاقة ما يقدِّمه التلفزيون بحياتنا اليومية .
الرابع :
لا تشعري بالذنب تجاه استخدامك لجهاز التلفزيون ، واعتباره الجهاز الذي يلهي طفلك بعيداً عنك ، عندما تؤدِّين أي عمل خاص بك ، من حين لآخر ، ولكن ضعي طفلك أمام التلفزيون عندما تقرئين مثلاً .
الخامس :
لا تشاهدي كل البرامج التلفزيونية الخاصَّة بك ، بدون برنامج مُسَلٍّ يناسب طفلك ويناسبك .
السادس :
إذا لم تكوني بجوار طفلك أثناء مشاهدته التلفزيون ، فحاولي أن تقدمي له البرنامج الذي يساعده ، وينمِّي ذاكرته ، وقدرته العقلية .
السابع :
حاولي أن تساعدي طفلك كي يكون ناقداً لما يراه ، واختاري له البرامج التي تناسبه .
الآثار التربوية لبرامج التلفزيون على الأطفال :
ما هو الأثر التربوي الديني الذي تتركه برامج الأطفال في التلفزيون على هؤلاء الأطفال؟ هذا هو السؤال من إحدى الدراسات التربوية التي نوقشت في اللقاء الثاني لمشروع الشراكة التربوية الإعلامية تحت إشراف وزارة التربية والتعليم بالمملكة العربية السعودية وعقد في مكة المكرمة في الفترة من 24 - 25/3/1426هـ.
ومن الدراسات الميدانية التي ناقشها الدكتور أحمد عبد الكريم غنوم اتضحت الآثار الخطيرة التي تتركها هذه البرامج في نفوس هؤلاء الأطفال وفي تشكيل سلوكياتهم.. وبما أن مجتمعنا من المجتمعات المسلمة الذي يحرص على تنشئة أطفاله في إطار مجموعة من القيم والمبادئ الإسلامية، لأنها تشكل سياجاً حافظاً لأفراد المجتمع. وما يقدم في برامجنا يحافظ على هذا النسق ولكن برامج التلفزيون الأخرى لها تأثير على صياغة ذهنية وسلوكيات هؤلاء الأطفال، خصوصاً أنها أنتجت في مجتمعات مختلفة جذرياً عن مجتمعنا، فالقيم التي حملتها إلى أطفالنا كانت مختلفة تماماً عما لدينا فإن تأثيرها يكون عميقاً وخصوصاً أن إحدى الباحثات ذكرت أن قيم البرامج التلفزيونية ركام هائل من الغث يختلط به القليل من السمين جنباً إلى جنب دون مغزى أو هوية. إذ تتوالى الإعلانات والأغاني والتمثيليات والصور والمناظر غير الأخلاقية وبخاصة إعلانات الأفلام والمسرحيات وكل هذا في تتابع بشكل رخيص ومبتذل وفي الوقت نفسه هناك البرامج الدينية والأحاديث النبوية والبرامج التربوية الهادفة، فتصبح المحصلة طمس الحقير العظيم، ويطغى المعنى الهابط التافه على المعنى السامي القدسي، وحيث يرتفع الركام في شكل أكوام دون تمييز.
وكما ذكر في الدراسة أنه من أكثر المواقف تناقضاً أن تكون البرامج والحلقات الخاصة المقدمة للأطفال تكون بطلتها راقصة أو ممثلة تأتي بكامل بهرجها وتميّعها وزينتها لتعلم الأطفال القيم والأخلاق وبطريقة راقصة.. كما أن هناك مشكلة أخرى وهي الأفلام أو الرسوم المتحركة التي تجذب الأطفال بشكل كبير جداً حيث إنها تعرض يومياً ولأنها عبارة عن أفلام كارتون فهي تعتمد على الخيال الجامح المخالف لسنّة الحياة والواقع الكوني.. وكما يذكر د.فاروق الدسوقي أن من سلبيات هذه الأفلام أنها خالية تماماً من القيم الإسلامية والتقاليد العربية وذكر عدداً من الأمثلة على تلك الأفلام التي توحي للأطفال بإيحاءات خطيرة وخصوصاً فيما يتعلق بالعقيدة وثقافة الإسلام مثل المسلسل الكرتوني [God Zela] الإله زيلا [لا إله إلا الله] ذلك الذي تستدعيه الأسرة البشرية لإنقاذها من وحش خطير يعترض حياتها فيأتي لينقذها.
وخطورة هذا الفيلم انه لم يفهمه الطفل المسلم العربي بسبب اللغة عن طريق الحوار إلا أن الأحداث والمشاهد تترك بصماتها في نفسه مما يشكل خطراً على فطرته الموحدة.
كذلك في مسلسلات حروب الفضاء التي تقوم على افتراض وجود أعداء للبشر في كواكب أخرى يهددون الأرض وهذا افتراض مخالف للواقع الكوني الذي اخبرنا به الله عز وجل.. ولم يأت في القرآن الكريم ولا في السنّة خبر عن مخلوقات فضائية يمكن أن تغزو الأرض وتهلك الإنسان..
كما أن قصر وحصر القيم والأهداف والمفاهيم الإسلامية في البرامج التاريخية وإن كان له ايجابيات متمثلة في تعريف المسلمين بأمجاد أسلافهم إلا أن له سلبيات خطيرة إذ يرسخ هذا في نفوسهم معنى خطيراً وهو أن الإسلام كان لزمن مضى وليس صالحاً لهذا العصر.
* وتوضح الدراسة أهمية البرامج التلفزيونية الجيدة التي توجد حالة من الدافعية في حياة الأطفال توجه وتشحذ القدرة على القراءة عندهم وتستثير الشغف والاهتمام والحماسة لديهم.. فالبرامج التي تجذبهم من أفلام مسلية وعلمية من عالم الحيوان والطبيعة والأسماك والطيور والنباتات مما يجذب انتباههم ويشدهم إلى ذلك الجهاز الذي يسهم في زيادة حصيلتهم ونموهم اللغوي والعقلي والنفسي والفني وإظهار مهاراتهم الإبداعية..
* أما ما ذكرته الباحثة سعدية بهادر عن تأثير جهاز التلفزيون في تغذية حواس الطفل السمعية والبصرية والنطقية وفي إثراء الخبرات العلمية لديه فوجدت بعد دراسة ميدانية علمية أن الطفل يتلقى معلومات عبر حواسه بدرجات ونسب مختلفة وأنه يتذكرها بالنسب الآتية:
- 10% مما يقرأه الطفل من معلومات وأفكار وقصص وأخبار.
- 20% مما يسمعه من حوار وحكايات وقصص ومعلومات.
- 30% مما يشاهده من مواقف ومشاهد وقصص وحوادث ومعلومات.
- 50%مما يشاهده ويسمعه في الوقت نفسه من مشاهد وقصص






















